تعاني كثير من الأمهات اليوم مشاكل عدة في ما يخص محاولتهن في إنشاء أبناء على أسس التربية الصحية والتعليم الفعال وتطوير المهارات. ويظهر الأمر جليا حالما يرتبط بما تقدمه التكنولوجيا من رفاهية لا محدودة قد يدفع ثمنها الطفل دون وعي منهن.
تظهر هذه المشاكل على شكل سلوكيات مثل: تشتت الانتباه وقلة الاستيعاب والتركيز والفهم البطيء وكذا السرحان.
لقد أثرت ظاهرة قلة الإستيعاب والتركيز عند الأطفال بشكل خاص سلبا على التحصيل الدراسي والمعرفي للطفل، لسهولة اختزالها بصفات كالكسل والإهمال وأيضا لكونها ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد.
مما استدعى إهتمام شديد من أهل الاختصاص لمحاولة فهمها وتحديد أسبابها وتبني استراتيجيات فعالة للعلاج، مع هدف إنساني: الحفاظ على كرامة الطفل وتنمية قدراته بدل إحباطه.
ما هو مفهوم قلة الإستيعاب والتركيز عند الأطفال؟
يمثل الاستيعاب عملية فهم المعلومات وتفسيرها وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى، أما التركيز فهو قدرة الطفل على توجيه انتباهه نحو مهمة معينة لفترة محددة من الزمن. تختلف هذه القدرات الانتباهية باختلاف العمر والعوامل البيئية والتطور العصبي الخاص بكل طفل.
القدرات الانتباهية حسب المرحلة العمرية
1- مرحلة ما قبل المدرسة (من 3 سنوات الى 5 سنوات) يستطيع الطفل التركيز لمدة 20د.
2- مرحلة التعليم الأساسي (من 6 سنوات الى 12 سنة) تتطور القدرة لمدة 30د الى 45 د.
3- مرحلة المراهقة (13 سنة إلى 18 سنة) زيادة القدرة على التركيز بسبب اكتمال نمو المناطق المسؤولة عليه.
يتميز كلا من الاستيعاب والتركيز بمكونات والتي من خلالها يتضح الخلل:
تشير قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال إلى ضعف قدرتهم على معالجة المعلومات وتحليلها وفهمها وتحويلها إلى معارف تستعمل لاحقا، وذلك لصعوبة في توجيه انتباههم المستمر وعدم قدرتهم على مقاومة المشتتات الداخلية والخارجية.
ما هي المظاهرالسلوكية لقلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال؟
1. في حالة قلة الاستيعاب
- الفهم السطحي دون القدرة على التحليل.
- صعوبة اتباع التعليمات.
- الحاجة إلى تكرار الشرح.
- عدم القدرة على ربط المعلومة القديمة بالمعلومة الجديدة.
2. في حالة قلة التركيز
2- الحركة الزائدة أثناء الجلوس.
3- عدم تذكر الإرشادات.
4- تجنب المهام التي تتطلب نشاط ذهني.
ما هي أسباب وعوامل قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال؟
1. الأسباب العضوية والفسيولوجية
تتمثل الأسباب البيولوجية لقلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال في:
- سوء التغذية: وذلك عند نقص بعض الفيتامينات والمعادن : فيتامين د والزنك وأحماض أوميغا 3.
- اضطرابات النوم: يحتاج الطفل إلى تسع ساعات إلى اثني عشر ساعة نوم يوميا.
- اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD.
- مشاكل و إعاقات سمعية وبصرية التي تمنع عملية وصول المعلومات.
2. العوامل البيئية والتعليمية
تعتبر البيئة المؤثر الأول على قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال.
- بيئة منزلية غير مستقرة: كل المشاكل التي تؤثر على نفسية الطفل وشعوره بعدم الأمان.
- طرق التدريس العشوائية: والتي لا تأخذ بعين الاعتبار فردية الطفل وقدراته.
- فرط استعمال الأجهزة الإلكترونية والتي تؤدي الى تشتت الإنتباه.
- البرامج التعليمية التي تتجاوز قدرات الطفل العمرية.
3.العوامل والأسباب النفسية والعاطفية
تلعب الصحة النفسية دورا محوريا في مشاكل قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال.
- الصدمات النفسية والعائلية والتي تؤثر على استقرار نفسية الطفل والتي تؤدي الى تشكل عقد نفسية يكبر بها الطفل.
- ضعف تقدير الذات والذي يتشكل بسبب كثرة الإنتقاد والمقارنة وقد يكون أيضا بسبب الخوف الدائم من الفشل.
- القلق الاجتماعي والمدرسي: عادة ما يكون مصدره التنمر وعدم الشعور بالانتماء.
ماهي علامات قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال؟
تظهر علامات قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال على شكل:
1. في البيت
- النسيان المتكرر للإرشادات البسيطة.
- الشرود الذهني.
- صعوبة إنهاء المهام.
- التردد في بدء الواجبات المنزلية.
2. في المدرسة
- صعوبة متابعة الدروس.
- تجنب المشاركة أثناء الدرس.
- تراجع التحصيل الدراسي مقارنة بقدرات الطفل.
- كثرة الأخطاء في أداء المهام وأثناء الإمتحانات.
التداعيات المستقبلية لقلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال
إن أثر قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال لا يظهر فقط على شكل صعوبات دراسية بل قد يتعدى إلى طريقة ممارسة الطفل لحياته اليومية وتعامله مع الغير.
2- ظهور اضطرابات بسبب القلق والتي قد تؤدي إلى الإكتئاب.
3- تكوين صورة سلبية عن التعليم والمدرسة.
4- التسرب الدراسي المبكر بسبب استمرار تدني التحصيل الدراسي.
5- ظهور توترات أسرية بسبب شعور الوالدين بالعجز والإحباط.
إستراتيجيات عملية لتحسين قدرات الطفل
يسهل الاكتشاف المبكر لمشكلة قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال إيجاد خارطة الطريق نحو تحسن الطفل بطرق فعالة وعملية تلمس جوانب عدة من حياة الطفل وما يحيط به.
1. على مستوى قدرات الطفل
وذلك بتقوية قدراته وتعزيز تقديره لذاته عبرأداء وإنجاز نشاطات تناسب عمره وتشبع حاجته.
- ألعاب الذاكرة والتركيز.
- ألعاب التركيز البصري.
- تنمية المهارات التنفيذية عبر تعلم مهارة.
- تقسيم المهام الكبيرة الى أخرى صغيرة لتخفيف الضغط وتحفيز الانجاز.
- تدريب الطفل على مراقبة ذاته وتقييم أدائه.
- مساعدته على اكتشاف نقاط قوته وضعفه والعمل عليها.
- تشجيعه على تعلم واكتساب مهارات تطوير الذات.
- تعليمه الحديث الذاتي الإيجابي مع نفسه.
- مكافئته على الانجازات البسيطة والمجهود المبذول نحو التحسن.
2. على مستوى الأسرة
ويكون ذلك ببناء بيئة داعمة تضمن للطفل الأمان وتشجعه على الإنجاز. ويكون ذلك ب:
- الاهتمام بالنظام الغذائي المدعم بالبروتينات والأطعمة الغنية بالأوميغا 3.
- تقليل استهلاك السكريات والمواد الحافظة التي تسبب فرط النشاط.
- تهيئة مساحته الخاصة والتي تحوي ركنا هادئا يساعده على التركيز.
- وضع جدول واضح ومرئي لأداء المهام والأنشطة اليومية.
- تخصيص وقت محدد للشاشات الإلكترونية.
3. على مستوى المدرسة
- إعتماد أساليب تدريس قائمة على المشاريع والتجارب والتشجيع على التعلم النشط.
- تنويع وسائل التعليم (بصرية، سمعية، حركية) .
- تعديلات في وضعية الجلوس بتقريب الطفل من مكتب المعلم وإبعاده عن النوافذ والممرات.
- تفعيل نظام المكافآت بالتركيز على مدح الجهد وليس النتيجة.
- بناء جسر تواصل إيجابي ومستمر مع الأولياء.
علامات الخطر | متى يتدخل المختص؟
يعد ظهور بعض مؤشرات قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال ناقوس خطر يشير إلى ضرورة تدخل المختصين من طبيب الأطفال أوطبيب الأعصاب أو استشاري تربوي أو أخصائي نفسي أو أخصائي في صعوبات التعلم. والتي من خلال تشخيصهم تظهر المؤشرات التالية :
- وجود مشاكل سلوكية عدوانية وعنيفة تظهر شخصية طفل عنيد وعصبي.
- تأثر المستوى الدراسي بشكل واضح ومستمر.
- استمرار الأعراض لأكثر من 6 أشهر في كل من البيت والمدرسة.
- شكوى الطفل نفسه من صعوبة التركيز رغم المجهودات المبذولة.
كيف أحافظ على طفلي من التعرض الظاهرة قلة الإستيعاب والتركيز؟
يمكن تفادي ظهور مشاكل قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال في مراحل مبكرة وذلك باتباع استراتيجيات وقائية في أول مراحل نمو الطفل.
1. قبل المدرسة أو مرحلة الطفولة المبكرة
- تنظيم أوقات الشاشات والتي لا يجب تعريض الطفل لها قبل سن الثالثة.
- تشجيع اللعب الحر الذي ينمي القدرات العقلية، بعيدا عن ما يوجه لتنمية الخيال.
- تدريب الطفل على القراءة التفاعلية.
2. في مرحلة بداية الدراسة وخلالها
- التعليم المبكر لمهارات إدارة الوقت والتنظيم.
- تحقيق التوازن بين الأنشطة المدرسية والترفيهية.
- تعزيز التواصل مع المدرسة.
الأسئلة الشائعة
ما هو الفرق بين قلة التركيز و فرط النشاط ؟
قلة التركيز هي صعوبة في الاستقبال بينما فرط النشاط كما وضحته مايو كلينك هي صعوبة في التحكم في النشاط الحركي و كلاهما يجتمعان في اضطراب ADHD.
ما هو الفرق بين قلة الإستيعاب و صعوبات التعلم؟
قلة الاستيعاب حالة عامة في جميع المواد أما صعوبات التعلم فتتعلق بمهارة واحدة كالقراءة أو الكتابة أو الحساب.
ماهو تعريف قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال من المنظور التربوي الحديث ؟
لم يعد ينظر إليها على أنها عيب بل :
- مؤشر على أن البيئة التعليمية لا تلائم الطفل.
- تحدي للإبداع التربوي في تصميم تجارب علمية مستحدثة.
- فرصة لإكتشاف ذكاءات لا تظهرها الطرق التقليدية.
- دعوة لتعديل طرق التدريس لملائمة مختلف أنماط التعلم.
في ظل التطور الحاصل، ماذا يمكن أن تقدمه التكنولوجيا ؟
يمكن تحويل التكنولوجيا من مصدر تشتت إلى أداة تساعد من خلال:
- تطبيقات تعليمية لتنمية التركيز.
- محتوى تعليمي تفاعلي والذي ينمي المهارات.
الخلاصة
إن قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال لا تعني نهاية المطاف، بل هي محطة مختلفة تتطلب مجهودا أكثر وصبرا وعلما.
فهم قلة الاستيعاب والتركيز عند الأطفال بمفهومها المعقد المتضمن لنشاط الدماغ والصحة العاطفية للطفل وجودة المدخلات والتي تتغير وتتطور إلى معارف مع نمو وتطور قدرات الطفل، تسمح باستيعاب الطفل ككل و اختيار الإستراتيجيات الفعالة والمناسبة لقدرات الطفل الداخلية والمعطيات التي توفرها بيئته.
نصيحتنا لكل أم يعاني طفلها من قلة الاستيعاب و التركيز، خذي وقتك في محاولة إستيعاب أن إبنك مختلف لسبب معين وعليك تقبله، من ثم إكتشاف هذا السبب والصبر على البحث وإيجاد الحلول.
فكم من عبقري ومبدع عانوا في صغرهم من قلة الاستيعاب والتركيز، ومع الدعم، تحولت الصعوبات إلى مصادر قوة ميزتهم عن غيرهم، وفتحت لهم الأبواب للمساهمة في تطوير مجتمعاتهم.




تعليقات
إرسال تعليق
أكتب رأيك في الموضوع.